وقفات من نور على سورة الكهف

لماذا نقرأ سورة الكهف ولماذا ورد أنها نور لقارئها وأنها تقي من أعظم الفتن.. فتنة المسيح الدجال؟

قال ﷺ:” من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال”

قال ﷺ:” من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال”

مطلع السورة

الدنيا كلها فتنة.. ولا يغتر بها إلا مفتون. ألم تقرأ في بداية سورة الكهف هذه الآية:

﴿إِنّا جَعَلنا ما عَلَى الأَرضِ زينَةً لَها لِنَبلُوَهُم أَيُّهُم أَحسَنُ عَمَلًا ۝ وَإِنّا لَجاعِلونَ ما عَلَيها صَعيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧-٨]

وعندما تقرأ سورة الكهف تجدها تسرد لك أربع قصص بديعة، كل قصة منها تعالج فتنة من فتن الدنيا: فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة الملك.

1| فتنة الدين

وأعظم فتنة في الدين هي الشرك بالله أو الكفر به.  وإن تبحث عن كلمة “فتنة” في القرآن، تجد معظمها يُذكر في سياق الإيمان والكفر.  وهذه بعض الآيات:

﴿وَالفِتنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ﴾ [البقرة: ١٩١]

﴿وَقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتنَةٌ وَيَكونَ الدّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلا عُدوانَ إِلّا عَلَى الظّالِمينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]

﴿كُلَّ ما رُدّوا إِلَى الفِتنَةِ أُركِسوا فيها﴾ [النساء: ٩١]

﴿وَقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتنَةٌ وَيَكونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعمَلونَ بَصيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]

﴿وَالَّذينَ كَفَروا بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ إِلّا تَفعَلوهُ تَكُن فِتنَةٌ فِي الأَرضِ وَفَسادٌ كَبيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]

والخوف المصاحب لبطش المشركين والهروب منهم.. فتنة.  أما رأيت كيف أن أصحاب الكهف فروا بدينهم، وأعتزلوا في كهفهم، خوفا من قومهم؟

﴿إِذ أَوَى الفِتيَةُ إِلَى الكَهفِ فَقالوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنا مِن أَمرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]

 والثبات على الدين حال الشباب أصعب من حال الشيبة.. وهذا فتنة.  لذلك وصف الله أصحاب الكهف بأنهم “فتية”، لبيان عظم فتنهم.  ولولا أن ربط الله على قلوبهم لانقادوا لقومهم.

﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنوا بِرَبِّهِم وَزِدناهُم هُدًى ۝ وَرَبَطنا عَلى قُلوبِهِم إِذ قاموا فَقالوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ لَن نَدعُوَ مِن دونِهِ إِلهًا لَقَد قُلنا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٣-١٤]

والغلو في الصالحين وتقديس آثارهم وأضرحتهم.. فتنة. وهذا ما انشغل به أهل زمانهم بدلاً من الدعاء لهم والاعتبار بقصتهم.

﴿فَقالُوا ابنوا عَلَيهِم بُنيانًا رَبُّهُم أَعلَمُ بِهِم قالَ الَّذينَ غَلَبوا عَلى أَمرِهِم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَسجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]

والنجاة من الفتنة في الدين، لا يكون إلا بالالتجاء إلى الله والفرار إليه وطلب الهداية منه.. بدعوة خالصة من القلب.

﴿وَإِذِ اعتَزَلتُموهُم وَما يَعبُدونَ إِلَّا اللَّهَ فَأووا إِلَى الكَهفِ يَنشُر لَكُم رَبُّكُم مِن رَحمَتِهِ وَيُهَيِّئ لَكُم مِن أَمرِكُم مِرفَقًا﴾ [الكهف: ١٦]

2| فتنة المال

وأعظم فتنة في المال هي الاغترار بأن مافي الدنيا أعظم مما في الآخرة.

والظن بأن لك كل الحول والقوة في تحصيل مالك .. فتنة.  وكثيراً ما يصاحب ذلك افتخار وبطر واحتقار للآحرين.

﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]

والاعتقاد والاطمئنان بأنه لا يصيبك مصيبة في مالك.. فتنة.  وأن مالك دائم لك، حتى إن كنت على كفر أو معصية لله.

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَن تَبيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥]

﴿وَأُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلى ما أَنفَقَ فيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُروشِها وَيَقولُ يا لَيتَني لَم أُشرِك بِرَبّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢]

والاعتقاد بأن من حولك من ناس وأعوان، باقون لمساندتك بعد زوال مالك (أو منصبك أو غيره).. فتنة.

﴿وَلَم تَكُن لَهُ فِئَةٌ يَنصُرونَهُ مِن دونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣]

والاعتقاد بأن عطاء الله لك في الدنيا يعني الثواب منه .. فتنة. فالثواب الحقيقي والعقبى دوما في الآخرة.

﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوابًا وَخَيرٌ عُقبًا﴾ [الكهف: ٤٤]

والركن للدنيا وما فيها من زينة كأنها دائمة، ونسيان أنها زائلة.. فتنة.  لذلك مثل الله الدنيا في سياق هذه القصة بتمثيل بديع، ثم بين أن البقاء للعمل الصالح فقط.

﴿وَاضرِب لَهُم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنيا كَماءٍ أَنزَلناهُ مِنَ السَّماءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ فَأَصبَحَ هَشيمًا تَذروهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقتَدِرًا ۝ المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥-٤٦]

3| فتنة العلم

الاغترار بعلمك وظنك أنك أعلم الناس.. هو أعظم فتنة في العلم.  لذلك جاء هذا الدرس الربّاني لموسى عليه الصلاة والسلام وهو نبي الله المرسل وكليمه.. حتى يستقي علمه ممن تفرد بعلم خاص، وهو الخضر عليه السلام.

والتأخر عن طلب العلم.. فتنة.  لذلك لم يتوانى موسى عليه السلام لحظة، ابتغاء للقاء الخضر ورغبة في التعلم منه.

﴿وَإِذ قالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبرَحُ حَتّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]

والغفلة عن أن الشيطان يترصد ويقف على طريق طلب العلم ليصدك عنه.. فتنة.

﴿قالَ أَرَأَيتَ إِذ أَوَينا إِلَى الصَّخرَةِ فَإِنّي نَسيتُ الحوتَ وَما أَنسانيهُ إِلَّا الشَّيطانُ أَن أَذكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]

والعلم من دون رحمة في القلب.. فتنة.  فالتمس علامات الرحمة في نفسك قبل علامات النبوغة والفطنة والفهم، فهذا أجدر بأن يكون لعلمك نفعا.

﴿فَوَجَدا عَبدًا مِن عِبادِنا آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا﴾ [الكهف: ٦٥]

وعدم الصبر في طلب العلم.. فتنة.  وهذا ما نبّه عليه الخضرُ موسى، وبين له أن طلب العلم يحتاج إلى الصبر.

﴿قالَ لَهُ موسى هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمتَ رُشدًا ۝ قالَ إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا ۝ وَكَيفَ تَصبِرُ عَلى ما لَم تُحِط بِهِ خُبرًا ۝ قالَ سَتَجِدُني إِن شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعصي لَكَ أَمرًا﴾ [الكهف: ٦٦-٦٩]

والعلم مسؤولية يجب أداؤها، وعدم تبليغ العلم وبيانه للناس.. فتنة.  وجاء هذا تأكيداً من الخضر عليه السلام في موضعين، بعد أن بين لموسى عليه السلام أحداث رحلتهما معاً.

﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأويلِ ما لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا﴾ [الكهف: ٧٨]

﴿ذلِكَ تَأويلُ ما لَم تَسطِع عَلَيهِ صَبرًا﴾ [الكهف: ٨٢]

4| فتنة الملك

التمكين في الأرض بالحكم والوقوف على حاجات الناس هو أصل الملك.. وإلا أصبح الملك مجرد تاج يلبس. لذلك مكّن الله لذي القرنين في الأرض، وفتح له أسباباً (أي طرقاً) فيها ليقف على أحوال الناس المختلفة.

﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الأَرضِ وَآتَيناهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]

كما أن الاستفراد بالقوة والحكم على الناس بثواب أو عقاب بعيداً عن حكم الله.. هو أعظم فتنة في الملك.  والظن من الحاكم (أو من الناس) بأن الثواب والعقاب مقصور على الدنيا.. فتنة.

﴿قالَ أَمّا مَن ظَلَمَ فَسَوفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكرًا ۝ وَأَمّا مَن آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسنى وَسَنَقولُ لَهُ مِن أَمرِنا يُسرًا﴾ [الكهف: ٨٧-٨٨]

وطلب الأجر مع غناك عنه.. فتنة.  ولكن هذا لا يغني عن طلب المساعدة فيما تحتاج من طاقة بشرية.

﴿قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا﴾ [الكهف: ٩٥]

والظن بأن ملكك وقوتك منك.. فتنة. والاعتراف بفضل الله وقوته نجاة منها.

﴿قالَ هذا رَحمَةٌ مِن رَبّي فَإِذا جاءَ وَعدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعدُ رَبّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]

ختام السورة

وتجد في ختام السورة ذكر لحال من افتتن في هذه الدنيا.. فوصفهم الله بـ (الأخسرين أعمالا).  وكيف أن عملهم يزيّن في نظرهم، فيظنون أنهم على خير، وهذه قمة الفتنة!

﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرينَ أَعمالًا ۝ الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ صُنعًا﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤]

والفتنة لها ظلمة، والنور يجليها وهذا مايحتاجه المفتون في دينه أو ماله أو علمه أو ملكه.. لذلك اختصت سورة الكهف عن غيرها من السور بأنها نور لمن يقرأها في يوم الجمعة.  قال الرسول ﷺ: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين).

والنجاة من كل هذا هي في الإيمان والعمل الصالح.. لذلك كان ختام هذه السورة بآيات عن الإيمان والمؤمنين.

﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَت لَهُم جَنّاتُ الفِردَوسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]

لذلك لا غرابة في أن أوائل وأواخر سورة الكهف تُجعل في نحر الدجال، اتقاء لشره.

خلاصة

في المرة المقبلة، وأنت تقرأ سورة الكهف، استحضر قصصها ومعانيها والتي تدور حول أنواع الفتن في الدنيا.. وكيف أن الله أنزلها وأنزل كتابه، نوراً تنجلي به ظلمات الفتن.

جعلنا الله وإياكم من الذين آمنوا وعملو الصالحات، وحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

Written by عبدالرحمن

‏مدرب في المهارات وتطوير فرق العمل‏، وأقدم استشارات في إستراتيجيات وبناء قدرات تقنية المعلومات.

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.