مفاهيم خاطئة في الحياة المهنية

قضيت الثلاث سنوات الماضية وقتا جميلا – ومازلت – في التوجيه المهني (career coaching) والذي أصبح شغفي وعملي الذي أحب.  ما يزيد عن الـ ٦٠٠ ساعة كانت في جلسات توجيه مهني فردية وفي مواضيع متنوعة تتدرج من أبسط أشكال التوجيه في المقابلات الشخصية أو تنمية المهارات الأساسية في الحياة المهنية، إلى جوانب أكثر تعقيدا مثل التحول أو التغيير المهني، أو التغلب على التحديات وبيئات العمل الصعبة.

في طيات الحديث في الجلسات، يظهر لي جوانب ومفاهيم خاطئة أو غير دقيقة وأعمل وقتها جاهدا على تصحيحها.  حيث أنها إما مبنية على مغالطات وممارسات خاطئة، أو مبنية على الطبيعة البشرية والتي تميل إلى الاستعجال والقفز بشيء من الحماس والثقة والزائدة والتي لا تحمد عواقبه في غالب الظن.

أحببت في هذا المقال أن أحصر مجموعة هنا حتى تتبين لك، ولعها تكون فرصة لنا جميعا أن نحمي أنفسنا ومن نحب من هذه المفاهيم الخاطئة والتي يمكن أن يكون لها عواقب غير محمودة، وأثرًا سلبيا على المستوى الشخصي أو المهني.

١| أستقيل حتى أبحث عن مكان أفضل

من أكثر المحاذير التي أؤكد عليها هو أنه مازلت في تسلسل وظيفي فحاول ألا تنقطع بمجرد الرغبة في البحث عن مكان آخر.  قد تكون لك أسبابك، وقد تكون مقنعة بشكل كبير لك ولي، ولكن الطرف الثالث وهو مسؤول التوظيف على وجه الخصوص، وسوق العمل على وجه العموم، يصعب كثيرا تغيير قناعاته.

لا يخفى علينا أن البحث عن عمل يشوبه بعض ملامح القلق والضغط النفسي، وأنه لا يخلو من المحاولات والتجارب الناجحة تارة والمخفقة تارة أخرى.  كما أن الحصول على عرض وظيفي يتطلب كثيرا من التفاوض والأخذ والرد.  عندما تكون على رأس عمل، فإن العملية تصبح أقل ضغطا لأنك بأبسط صورة لن تكون مشفقا على دخلك الشهري.  كما أنه يصبح للتفاوض نقطة معيارية – دخلك الحالي – والتي تمكنك من النقاش بناء عليها.  استقالتك بغرض البحث عن مكان آخر تسلب منك نقاط القوة هذه ويصبح موقفك أقل قوة بالمقارنة مع ما لو كنت على رأس العمل.

أمر آخر وهو أن نظرة سوق العمل لك – ممثلة بمسؤول التوظيف – تتغير حتما عندما تصل لمسامعهم فكرة أنك لست على وظيفة في الوقت الحالي.  “لماذا يا ترى استقال من وظيفته؟ هل فعلا كما ذكر لنا، أم أنه لم يكن قدر المسؤولية؟”.  “هل ترك وظيفته لمشكلة شخصية لا يود أن يصرح بها؟ ماذا لو تكررت وهو في وظيفته معنا؟ هل سيتركنا بكل سهولة كما ترك من قبلنا؟”. 

ومن جانب آخر، فإن رغبة جهة العمل وشهية مسؤول التوظيف – إن صح التعبير – في استقطاب من هم على رأس العمل هي أكبر بكثير بالمقارنة مع من انقطع عنه.  كما أن الأمرّ والأدهى أن يستغل موقفك هذا، والذي يعتبر “بطالة” بالمنظور المجرد والمجحف في سوق العمل، ضدك في مسألة العرض الوظيفي ونوعية الوظيفة التي تستحق.

لذلك، تصبح القاعدة العامة هنا:

٢| أدرس الماجستير حتى أحصل على أول وظيفة

لا أريد أن أخوض عمومياتٍ في هذا الجانب قد لا تعجب البعض.  لذلك سأتكلم أولا عن بعض الأحوال التي يصلح فيها إكمال دراسة الماجستير مباشرة بعد البكالوريوس، وقبل دخول سوق العمل. 

الحالة الأولى، وهي الأجلى، هي للإنسان الذي يرغب في الانضمام إلى السلك الأكاديمي.  ولا نختلف أبدا أن من أراد أن يدخل في القطاع الإكاديمي وما يتبعه من تدريس وأبحاث لا بد له أن يكمل مؤهلاته العلمية حتى درجة الدكتوراة.  هذا بمجرد الرغبة في الدخول، عداك عن مسألة التميز والتفرد، فتصبح الماجستير وتليها الدكتوراة أمرا مرغوبا ومحتوما.

الحالة الثانية، وهي خاصة في مجالات معينة قد تكون دقيقة أو واعدة أو كليهما.  ويعني ذلك أن بعض التخصصات تحتاج إلى سبر أكثر لتفاصيلها ولا يتأتى ذلك إلا بدراسة معمقة والتي غالبا لا تغطيها مناهج البكالوريوس.  أذكر مجالات هنا من باب المثال لا الحصر، وهي علوم الطب على تنوعها، الإرشاد والتوجيه النفسي، التحليل المالي والاقتصادي، وحديثا علم البيانات.  غير أن المطلوب في هذه المجالات ليس بالضرورة أن يكون مؤهل الماجستير تحديدا، ولكن يمكن أن يكون على شكل برامج أو زمالات أو شهادات مهنية مكثفة توازي أو أكثر ما يمكن أن تبذله في برامج الماجستير.

الحالة الثالثة، وهي أقل جلاء، هي لمن ليس له رغبة أو حتى فرصة في دخول سوق العمل بعد تحصيل البكالوريوس، كأن يكون في ابتعاث واضطر للمكث فترة أطول لمرافقة أو غير ذلك.  وفي هذه الحالة من الجيد أن يبحث أولا عن فرص العمل والتطبيق ما أمكنه ذلك، ولكن من الطبيعي أن يستدرك وقته وفرصة بقائه في إكمال دراسة الماجستير فهي أيسر وأنفع لوقته وخصوصا أن فرص العمل في الخارج ليس سهلة أو حتى قانونية.  المهم أن يعي أنه يصعب توظيفه أو تقييم مؤهله بالمستوى الذي يطمح إليه، بدون خبرة عملية تفتح له آفاقا وظيفية أوسع.

قد يكون هناك حالات أخرى، ولكن الأهم هو أن تعي جيدًا ما هو هدفك من مؤهل الماجستير.  والقاعدة العامة تقول:

وكم رأينا ولا يخفى على كثير، من حجبت عنه الوظيفة لأن مؤهل الماجستير – بدون خبرة عملية – يجعل منه صعب الاستقطاب من باب (over-qualified) وأن البعض يضطر للتنازل عن مؤهله حتى يُكشف له الحجاب ويحصل على الوظيفة التي يبغيها.

٣| أترك الوظيفة حتى أؤسس مشروعي الخاص

لا شك أن ريادة الأعمال من أكثر المجالات حيوية، وأن تأسيس مشروعك الخاص من أسمى الأهداف المهنية والحياتية.  ولكننا في الواقع ما زلنا نعيش في عالم يحكمه مبدأ “الدخل الشهري الثابت”! خذ مثلا طريقة تعامل البنوك والجهات التمويلية مع الأفراد، وحتى أسلوبك في استيفاء متطلباتك ومشترواتك الشهرية.  عدم وجود مبلغ يودع في نهاية الشهر في حسابك، يعني أنك دخلت عالمًا من المخاطرة والغموض لابد أن تكون مستعدًّا وأهلًا له.

في المقابل، نعلم جيدا أن تأسيس مشروع جديد، لا يمكن أن يكون بين يوم وليلة.  مرحلة التأسيس فيها الكثير من المتطلبات ويلزمها الكثير من التجارب والأخطاء، وحتى تبدأ رؤية أول ملامح الدخل من مشروعك – عداك عن الأرباح! – سيكون ذلك غالبًا بعد أشهر من البدايات.  وبالتالي مخاطرتك بمتطلبات حياتك الأساسية لن يكون قرارًا جيدًا ولا سهلًا.

ولا أقول هنا ألا نصبح رواد أعمال، ولا أن نتجنب المخاطرة تمامًا، وخصوصًا أن البعض منا يعيش ويزدهر بروح المخاطرة والتجربة.  ولكن أقول أنه من الجيد بدء مشروعك وطموحاتك الريادية في خط موازٍ لدخل ثابت مع وجود مدخرات تكفيك مدة من الزمن، حتى تتمكن من خوض التجربة الريادية بتركيز وروح صافية.  ومتى ما بدأت بإحراز تقدم ملحوظ ونجاحات ثابتة، تستطيع وقتها أن تطلق الوظيفة بالثلاث!

وتصبح القاعدة العامة هنا كالتالي:

٤| أتبع شغفي والعمل الذي أحب

كثيراً ما نسمع نصيحة “اتبع شغف قلبك” أو “اتبع شغفك” (Follow Your Passion).  والتي تؤثر علينا سواء في حياتنا الشخصية العاطفية، أو في حياتنا المهنية.  ولست بصدد الكلام عن الحياة العاطفية هنا، ولست أهلًا لها، ولكن يهمني أثر هذه النصيحة وأبعادها على الحياة المهنية وكيف يمكن أن تغذي حياتك المادية.

أن “تتبع شغفك”، وبالمعنى المجرد للجملة، هو أن تعرف شغفك، أي ما تحب أو تهوى من عمل أو صنعة أو مجال معين، ثم تعمل جاهدا ليكون محور حياتك المهنية.  ولا شك أن هذا مبدأ صحيح، ولكن المشكلة تكمن في التفاصيل وطريقة التنفيذ!

وهنا أسئلة قد تساعدك لفهم مقصودي:

  • ما هو شغفك أصلا؟ وكيف عرفت أنه شغفا وليس مجرد وهم أو هوى في النفس عابر؟
  • ما هي حصيلة مهاراتك وتجاربك؟ والتي تجعل من قفزك لشغفك على خطوات ثابتة وليست سقوطا على الرأس؟
  • ما هي الفرص التي يمكن أن تجعل من شغفك مصدر دخل يؤمن لك حياة كريمة ولا يودي بك إلى أزقة ضيقة؟

هذه التفاصيل، تخفى على كثير منا وخصوصا عندما ندخل غمامة الشغف.  في تلك الغمامة تصبح الحقائق في نظرنا مشوهة، وصناعة القرار السليم غير ممكنة.  وعندما تضيف عليها بعض قطرات السذاجة تارة والاستعجال تارة أخرى، تصبح الوصفة حتيمة الفشل ومآلها الصدمة المؤلمة.

لذا أنصح كثيرًا ممن أعرفهم أو أوجههم، أن يتخذوا نصيحة “اكتشف شغفك” بدلًا من سابقتها.  وأن يكونو على دراية أن الشغف يتشكل ويتلون وينضج مع نضجنا، وأن الحرص على بناء أرض خصبة له هي ما يهم في مقتبل الحياة المهنية.  وهذه الأرض الخصبة تربتها وماؤها هي المهارات والتجارب المكثفة.

لذلك، تصبح القاعدة العامة هنا:

٥| المشكلة ليست مني ولكنها تكمن في مديري أو في بيئة عملي

لا تخلو حياة مهنية من تحديات وعقبات ومنغصات أحيانًا، وليس من السليم أن نطمح إلى صفائها التام من غير مشوبات تعكرها أحيانًا.  وهل نحن في جنة؟ أم مازلنا في حياتنا على وجه الأرض كما نعرفها بصفائها وكدرها؟!

والبعض منا عندما يمر بمشكلة ما، يميل بطبعه إلى إلقاء الملامة على الآخرين فيقول أن الملام مديره تارة، وتارة يقول أن زملاءه هم من أسهم في هذه المشكلة.  وإن لم يجد أشخاصًا يلقي عليهم اللوم، أخذ يرمي بالمشكلة على بيئة العمل وتنظيمها (أو خلوها منه) أو سياساتها وإجراءاتها (أو غياب ذلك).  ومنا من إن لم يجد مخرجًا لإلقاء اللوم على دائرة من حوله، التفت على الأنظمة السائدة أو التشريعات العامة وأصبح يلتسمها بسوط لسانه ونقد أفكاره.

ولو بحثت قليلًا مع نفسك لوجدت من طرفك إسهامًا قليلًا أو كثيرًا في مشكلتك التي بلغت منك مبلغًا عظيمًا.  ولو وقفت لوهلة وجعلت من نفسك طرفًا تستوقفه للمحاسبة والملامة من غير إجحاف، لوجدت أن بعضًا من مشاكلك كنت أنت عنصرًا فاعلًا فيها.  وقد يكون ذلك سواء في إحداثها بداية، أو في تفاقمها نهاية.

لذلك من الأجدر بالإنسان أن يزن نفسه بنفس الميزان الذي يستعمله مع الآخرين، وأن يكيل لنفسه ما يكيل لهم من محاسبة أو ملامة، وهذا في نظري أظهر العدل.  والأهم أن لا يجعل من نفسه رافع الدعوى والقاضي في الآن نفسه، وأن يطلب الرأي والمشورة والحكم ممن يثق بهم.

والأمر الآخر، هو أن تجتهد في الحل كما تجتهد في بيان المشكلة.  فكم شكونا من مشكلة مررنا بها، ومرت الأزمان وهي هي لم نجتهد في تغييرها أو التعامل معها.  ودائرة الحل تبدأ من نفسك، ثم من حولك، ثم تتسع بحسب ما في يدك من سلطة وحكم وقدرة على التغيير.  واعلم أن الخوض في المشكلة من غير التفكير في حلها مضيعة للجهد والطاقة ومضنة الفكر السلبي المنفّر.

وأخيرًا، من الجيد أن تعرف أن الإنسان يتعلم من الخطأ والمشاكل أكثر بكثير مما يتعلم من الصواب والصفاء.  وذلك أن الصواب مساره مستقيم، ونعرف جيدا أنك لا تحتاج لكثير من التفكير وصناعة القرار في سلوكه.  أما الأخطاء والمشاكل فتجعل من مسارك أعوج أو متعرجًا، ويلزم عندها الكثير من التفكير والوقفات والقرارات.. أي بمعى آخر “التعلم”.  كما نعرف جيدًا أن حياتنا تمتلئ بالمسارات المتعرجة والتي جبلت عليها.

وتصبح القاعدة العامة هنا:

ختاما

أحببت أن أسرد لك في هذا المقال بعضًا من المفاهيم الخاطئة في الحياة المهنية والتي عشت بعضها شخصيًّا، وما زلت ألمسها في حديثي مع من أوجّههم مهنيًّا.  أرجو أن تصبح دليلًا لك عندما تمر بمثلها في حياتك المهنية، وأن تكون معينًا لك في صناعة قرارات مهنية صحية وثابتة الأساس.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.